خدعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران

خدعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران
2016-09-06 14:47:33

خدعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران
ا
 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

منذ منتصف تسعينيات القرن الميلادي الماضي والكثير من المستائين أو الرافضين للسياسات الإيرانية يراهنون على تفجر ما يسمى بصراع جناحي المحافظين والإصلاحيين في الداخل الإيراني، حيث انطلقت مراهنة هؤلاء من الاعتقاد بأن انتصار جناح الإصلاحيين ربما يُحدث تغييرا جذريا في بنية توجهات السياسة الإيرانية التي بدت معادية إلى أقصى درجة لبلدان المنطقة وهو الأمر الذي استبعد احتمالات إمكانية إقامة حوار جاد بين إيران وجيرانها يمكن من خلاله وضع أسس ومعايير تساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار في المنطقة التي عانت من فقدانه منذ ثورة الخميني عام 1979م، والتي لم يكد يمر عام على استتباب الأمر لرجالها حتى أشعلت حربا شرسة مع العراق استمرت لنحو ثماني سنوات استنزفت الكثير من مقدرات البلدين والبُلدان الداعمة لهما.

وتماهت وسائل الإعلام العربية، بل والعالمية، وراء تلك الفكرة فضخمتها وسلطت الأضواء على متابعة تطوراتها حتى باتت بالنسبة للكثير من المراقبين والمتابعين فضلا عن قطاعات شعبية كبيرة في البلدان العربية مؤشرا ذا دلالة فترسخ لديهم أن السياسات الإيرانية حتما ستشهد حالة من التغيير في حال تحقق النصر لجناح الإصلاحيين الذين يتبنون أفكارا أكثر واقعية والتزاما باحترام الآخرين في مقابل المحافظين الذين يدافعون عن فكرة أممية الثورة الإيرانية وضرورة تصديرها ومن ثم شرعية التدخل الإيراني في شئون العديد من البلدان لتوجيه الأمور في اتجاه تحقيق هدف الحكومة الأممية التي تمهد لظهور المهدي الإمام الغائب.

واقع صادم

غير أن واقع الأحداث، ومنذ أن تحقق فوز الرئيس الإيراني المحسوب على التيار الإصلاحي محمد خاتمي في الانتخابات التي أجريت في العام 1997م، لم يأت وفق ما تشتهي سفن هؤلاء بل لقد جاء على العكس تماما ففي عهد الرئيس خاتمي"1997 – 2005" كان الغزو الأمريكي لكل من أفغانستان "2001" والعراق "2003" وهو الغزو الذي جاء بمساعدة إيران لأمريكا وفق ما أكده نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية آنذاك محمد أبطحي الذي قال في تصريحات له في ختام أعمال مؤتمر عقد بإمارة أبو ظبي إن بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق مشيرا إلى أنه لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة.

ولم ينته الأمر عند هذا الحد في عهد الرئيس خاتمي الذي كانت تتطلع له الكثير من العيون مظنة أنه سيخفف من حدة السياسية الإيرانية العدائية بل إن الأمور وصلت إلى حد أن مارست إيران انتهاكات فظيعة بحق العراقيين السنة عبر وكلائها والميلشيات المسلحة الطائفية التابعة لها والذين قتلوا وشردوا وسجنوا مئات الآلاف من السنة، وكل ذلك في عهد خاتمي الذي إن لم يكن له من جرم إلا أن شهد عهده فتح باب هذه التدخلات وهذه الانتهاكات لكفاه وهو ما أكد بالدليل العملي زيف الاعتقاد الذي تبناه هؤلاء المراهنون على ما يسمى بالإصلاحيين بعد أن خابت كل ظنونهم.

وعلى الرغم من تلك الدلائل اليقينية التي كشفت لكل ذي بصر وبصيرة عن حقيقة الإصلاحيين بقي البعض يواصل رهاناته على هذا التيار، فتعلقت نفوسهم باللحظة التي تنتهي فيها الولاية الثانية للرئيس أحمدي نجاد الذي تولى الرئاسة عام "2005" والمحسوب على التيار المحافظ حيث انتهت ولايته عام 2013 لتأتي الانتخابات برئيس جديد هو حسن روحاني والذي -وفق التصنيف- يتبع التيار الإصلاحي غير أنه لم يكن لروحاني إلا أن واصل ما كان عليه سلفه نجاد من سياسات طائفية وعدائية، بل إن روحاني كان أكثر حدّة في ممارساته في العراق حيث الدفع بالميلشيات الطائفية لتقود حربا أكثر شراسة بحق السنة في العديد من البلدان بدعوى محاربة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والعمل على تأسيس ما سمي بالحشد الشعبي وهي ميليشيات شيعية طائفية فيما دفعت إيران فيما بعد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى اعتبار الحشد الشعبي أحد مكونات الجيش العراقي النظامي.

والأمر لم يختلف كثيرا في سوريا، ففي عهد روحاني الإصلاحي تزايد الوجود الإيراني في سوريا لإجهاض ثورة السوريين ولدعم الرئيس العلوي بشار الأسد، بل ودفعت إيران أيضا بحزب الله للمشاركة في أتون المعركة بقواته وعتاده فضلا عن تشكيل لواءات من المرتزقة الشيعية من باكستان "لواء زينبيون" والأفغان "لواء فاطميون" لتصبح سوريا ساحة لحرب طائفية علنية وسط صمت عربي وإسلامي رهيب وكل هذا في عهد الإصلاحيين الذين كان ولم يزل يراهن عليهم البعض!

ثم تأتي مفاجأة الإصلاحيين الإيرانيين حيث الدعم المادي والبشري فضلا عن الدعم بالسلاح المقدم إلى المتمردين الحوثيين في اليمن ومن ثم التشجيع على التهديد العلني والواضح للمملكة العربية السعودية بل والاعتداء علي أراضيها لمرات، ما دفع في النهاية إلى تشكيل تحالف عربي إسلامي من عشر دول تقوده المملكة العربية السعودية لشن عملية عسكرية أطلقت عليها "عاصفة الحزم" والتي حدّت من قدرات الحوثيين والمتحالفين معهم من أنصار الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح غير أنها لم تنجح حتى اللحظة في تحقيق الاستقرار أو إزاحة المتمردين من المشهد السياسي اليمني الذي بات معقدا إلى أقصى درجة بفعل التدخلات الإيرانية المشينة في عهد الإصلاحيين.

تباينات هلامية

مع كل ما سبق فإنه ما زال هناك من يعتقد أن ثمة تباينا كبيرا بين المحافظين والإصلاحيين في السياسة الإيرانية وهو الأمر الذي يثير العجب والدهشة خاصة وأنه قدر لهذا التيار المسمى بالإصلاحي أن يصل للحكم ومع ذلك لم تظهر هذه التباينات على الإطلاق بل إن كل السياسيات التي مورست في عهد الإصلاحيين ما كان لها أن ترى النور إلا بموافقة المحافظين الذين بأيديهم مقاليد كل الأجهزة والمؤسسات التي يفترض أن تمرر عليها القرارات والسياسات قبل الشروع في تنفيذها أو حتى اتخاذ خطوات أولية بشأنها، وهو ما سيتضح جليا عند استعراض آليات اتخاذ القرار السياسي في إيران.

ويحاول أن يستدل هؤلاء ببعض التباينات السياسية بين التيارين ومن ذلك مثلا الخلاف بينهما حول الاتفاق بشأن البرنامج النووي الذي وقعته طهران قبل عام مع مجموعة خمسة زائد واحد إذ تردد أن المرشد خامنئي الذي هو بطبيعة الحال على رأس هرم التيار المحافظ كان يُعارض الاتفاق النووي وأن ممثل بارز لخامنئي وهو أحمد علم الهدى عارض الاتفاق النووي قائلاً إنه "تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها خامنئي" مضيفا: "لا ينبغي للأجانب أن يصلوا إلى الأجهزة الأمنية الإيرانية لكن الاتفاق ينتهك ذلك بالسماح للمفتشين بزيارة مواقع عسكرية".

ويبدو أن الناظرين إلى هذه التصريحات ومن أجل تأكيد مواقفهم لم يسمحوا لأعينهم بأن ترنو لتصريحات أخرى ربما صادرة عن نفس الأشخاص وآخرين غير أنها مناقضة للتصريحات الأولى، الأمر الذي يؤكد أن ذلك التناقض والتباين مقصود بهدف الرقص على كل الأحبال فقد كان خامنئي قد صرّح لوكالة الأنباء الطلابية "إيسنا" قائلا: "إن مفاوضينا النوويين يحاولون سلب العدو سلاح العقوبات فإذا نجحوا في محاولاتهم فإن ذلك سيكون جيدا، وإذا لم يفلحوا فإن على الجميع أن يعلموا أن هناك طرقا أخرى للحد من سلاح العقوبات" وأشار إلى مقولة روحاني أن نتيجة المفاوضات بين الجانبين أن يصلا إلى نقاط مشتركة لكي لا يفرض طرف رأيه على الطرف الآخر".

بل وفي لهجة صريحة قال وزير الخارجية محمد جواد ظريف – من المحسوبين على التيار الإصلاحي -  لوكالات الأنباء الإيرانية: "لدينا نظام سياسي حيوي في إيران والشعب الإيراني يفهم أن الحكومة اتخذت تدابير ضرورية لضمان نجاحنا في المفاوضات وأن المرشد يدعم الوفد الإيراني المفاوض في المحادثات النووية وأن الاتفاق النووي يصبّ في صالح الأمن والسلام بالمنطقة ويخدم التقدم العلمي الإيراني"، فيما أعرب قائد القوات المسلحة الإيرانية الجنرال حسن فيروز آبادي المقرب من المرشد الإيراني الأعلى عن دعم الاتفاق بالرغم مما يعتريه من قلق حوله.

ويرى بعض المحللين في هذا السياق "أن هذه التصريحات الصادرة عن المحسوبين على خامنئي وعن خامنئي نفسه لا تدل على رفض الاتفاق وإنّما تُثير حالة من الغموض المقصود حول الموافقة المشروطة للاتفاق بهدف الاستهلاك المحلي في الداخل لاستيعاب المحافظين من المعارضين الحقيقيين للاتفاق بالتصريحات الكلامية والديباجات اللفظية وكذلك بقصد الضغط على المعارضين للاتفاق في الخارج وذلك ليكفوا عن معارضتهم ولكي لا يُنغصوا على الإدارة الأمريكية التي تُكافح لتمريره وذلك بتخويفهم والقول بأن إيران لم تُوافق على الاتفاق بعد، وأنّ من الأفضل لهم قبول الاتفاق من أجل عدم منح المحافظين المتشددين في إيران الفرصة للقيام بزعزعة السلم العالمي وهو ما يفعله تماماً كل من أوباما وكيري بقوة، فهما يخاطبان الكونغرس والمعارضين للاتفاق بكل أساليب التخويف والتهديد لحملهم على الرضوخ وإقرار الاتفاق.

ومن هنا كانت الاختلافات بين القادة الإيرانيين المحافظين من جهة، والإصلاحيين من جهة ثانية، ما هي سوى اختلافات شكلية ولفظية وليست اختلافات سياسية حقيقية لأنّها لو كانت حقيقية لما سُمح بدايةً للمفاوضات بالاستمرار ولما سُمح أصلاً لظريف بتوقيع الاتفاق"(1).

وهنا نطرح تساؤلا آخر: هل ثمة ملفات أخرى يمكن أن تكون محل خلاف بين المحافظين والإصلاحيين؟ الحقيقة أن أقصى ما يمكن الإشارة إليه هو أن التباين حول قضايا "حرية الرأي وعمل المرأة وتعليم اللغة الإنجليزية في المدارس الإيرانية والمباحثات مع أمريكا وموضوع تسوية الخلافات الداخلية بين القوى السياسية"، وهي كلها كما هو واضح قضايا لا تتعلق بجوهر السياسة الإيرانية ولا بثوابتها بل هي قضايا خلافية في الكثير من البلدان المحيطة بإيران وخارج الإقليم أيضا وبالتالي فإن التعويل على أن يكون انتقال السلطة من طرف إلى آخر سببا لتغيير هذه الثوابت هو خطأ إستراتيجي جسيم يضيع الكثير من الوقت والجهد.

المرجعية الواحدة

لو أننا افترضنا جدلا أن هناك خلافا حقيقيا بين الإصلاحيين والمحافظين فهل يكون الانتصار لأحد الطرفين بالاحتكام إلى الشعب الإيراني الذي يمكن أن يكون منحازا لطرف على حساب الآخر أم أن ثمة مرجعية عليا في الدولة الإيرانية لا يمكن تجاوزها ومن ثم فإن أية قرارات تتعلق بالدولة الإيرانية لابد أن تكون متوافقة أولا وأخيرا مع هذه المرجعية أو على أقل تقدير فإن تمرير أحد القرارات يشترط فيه أن لا تراه هذه المرجعية تهديدا لنظام الدولة الإيرانية؟

الواقع السياسي في إيران يشير إلى أنه على الرغم من أن جهاز صنع القرار الذي يتسم بتعدد وتشابك المراكز المشاركة في هذه العملية بل وتنافسها بما يمكن أن يؤدي إلى تناقض داخل هذا الجهاز، والذي يحصن نفسه بوقوف مرشد الثورة على رأسه باعتباره (الولي/ الفقيه/ القائد) الذي تحت وحدانية مرجعيته الثابتة يتم رسم الخطوط الحمراء لأي سياسي، ومن ثم فإن القابع فوق كرسي رئيس الجمهورية أيّا كان توجهه السياسي لا يمكنه على الإطلاق أن يتخذ قرارا مصيريا يتعلق بإيران دون أن يحظى هذا القرار بالرضا من قبل المرشد غير أن هذا لا يمنع من أن يكون هناك بعض الخلاف مثلا بين مكتب القائد الأعلى "المرشد" ومجموعة الرئاسة لكنها خلافات تتعلق بأسلوب الإدارة وبعض الممارسات السياسية والاقتصادية التي لا تعد انقلابا على منهجية ونظام حكم الولي الفقيه الذي حدد مجموعة من الثوابت التي لا يمكن للإصلاحيين أو المحافظين الانقضاض عليها وهو ما حرص الخميني على تأمينه منذ استتبّ الأمر للثورة في سنواتها الأولى وذلك عبر إقامة عدد من المؤسسات التي تؤول سلطتها في نهاية الأمر له باعتباره القائد والمرجعية، وعليه فإنه يتم الاحتكام في حال وجود خلاف بين المحافظين والإصلاحيين إلى مرجعية واحدة هي المرشد الذي بطبيعة الحال يحاول الظهور دوماً وكأنه الحكم المحايد بين مختلف الأجنحة والقوى والمؤسسات وإن كان المتابع للحراك الإيراني سيلاحظ أن كل الصراعات تحسم في الغالب لصالح التيار المحافظ.

فمرشد الثورة الإيرانية إذًا "يقف على رأس هيكل نظام صنع واتخاذ القرار السياسي في إيران باعتباره الولي الفقيه الذي يجمع بين الزعامتين الدينية والسياسية وصاحب القرار النهائي في كل الأمور السياسية والإستراتيجية خاصة ذات الصبغة المصيرية والمؤثرة على صلابة النظام السياسي الديني الحاكم واستمراره مثل القرارات المتعلقة بمسائل الحرب والسلام"(2).

بل إن المرشد يمكن أن يطيح حتى بأقرب الأقربين منه وهو ما شهدته إيران بالفعل زمن المرشد الأول للثورة "الخميني" حين أطاح بنائبه حسين منتظري، الذي تجرأ على الوقوف في وجه الخميني عندما قرر الأخير إعدام الآلاف من معارضيه على الرغم من أن هؤلاء كانوا من مؤيدي الثورة ونشطائها غير أن الاعتراض على قرارات الخميني كان كفيلا بإبعاد منتظري حتى لا يتولى موقع المرشد بعد رحيل الخميني.

وترتيبا على ما سبق فليس من المتوقع حدوث تغيير جوهري في سياسة إيران حتى مع وصول مرشح إصلاحي للرئاسة لأن يده ستظل مغلولة لا تمكنه من إجراء ما يريده من إصلاحات بسبب هيمنة المرشد على باقي أجهزة صنع القرار خاصة القوى الأمنية وأبرزها الحرس الثوري المسئول عن حماية النظام وأهداف الثورة.

والقول بهذه الهيمنة وتلك الصلاحيات اللا محدودة التي يحظى بها المرشد هو استقراء لآليات اتخاذ القرار في إيران، إذ ووفق الدستور الإيراني فإنه يتم تعيين المرشد من قبل مجلس خبراء القيادة الذي يتم انتخاب أعضاؤه ورئيسه وتكون من مهامه أيضا عزل المرشد ومراقبة أعماله حيث يجتمع مرتين فقط في العام.

وعلى الرغم من أن مهمة هذا المجلس تكون في الغالب روتينية إلا أن ثمة مفارقة أخرى وهي أن المرشحين الـ 86 لعضوية مجلس الخبراء لابد وأن يحصلوا على موافقة مجلس صيانة الدستور المرتبط أصلا بالمرشد، والذي يعطي تقييما لكل مرشح فيسمح له بالترشح أو لا، فيكون المنوط بهم تعيين المرشد أو عزله فضلا عن مراقبة مهامه قد أتوا بموافقته هو شخصيا فكيف يأتي بمن يختلفون معه؟!

أما بقية المجالس والهيئات والمؤسسات التي تشارك في اتخاذا القرار فهي خاضعة بالفعل للمرشد ومنها مجلس صيانة الدستور الذي من أبرز مهامه مراقبة أعمال مجلس الشورى ومراجعة ما يصدر عنه من تشريعات بحيث تتفق مع توجهات الثورة الإيرانية وفلسفة النظام الحاكم وتعاليم الدين وممارسة رقابة تصويبية صارمة على ملفات المرشحين في انتخابات البرلمان ومجلس الخبراء ومنها مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي يعين المرشد رئيسه ويعتبر أعلى مجلس استشاري للمرشد حيث يقدم له المشورة في السياسات والإستراتيجيات الداخلية والخارجية، كما يرفع له الأمر في حالة وقوع خلاف بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى، وهذا الأخير يجري انتخاب أعضائه بالاقتراع الحر المباشر كل 4 سنوات، بعد أن يقوم مجلس صيانة الدستور باستبعاد المرشحين الذين لا يرضى عنهم النظام، وعدد أعضائه 290 عضوًا، بالإضافة إلى هيئات ومجالس أخرى.

شهادة من الداخل

والحقيقة أن الحديث بعدم وجود خلاف حقيقي أو جذري بين ما يسمى بتيار الإصلاح والمحافظين هو ما أقرّ به رجالات النظام الإيراني أنفسهم، ففي حوار في غاية الأهمية أجرته قناة الجزيرة القطرية مع الدكتور طه هاشمي -أحد أبرز قيادات التيار اليميني المحافظ في إيران- وأحد أعضاء الهيئة الرئاسية للبرلمان ورئيس لجنة الرقابة على الإذاعة والتليفزيون في إيران ومن أشد المقربين من خامنئي، قال هاشمي: "إنني أعتقد بأن الإصلاحيين يشكلون تيارًا واسعًا كما أن المحافظين كذلك، هناك مجموعة تقترب إلى الإصلاحيين وإلى المحافظين من جهتين هناك قسم من الإصلاحيين يعتقدون بفصل الدين عن الحكم، فالمهم هو ما هو مدى تأثير هذا الفصل أو ذاك؟ إن وصَل قسم من الإصلاحيين الذي يؤمن بفصل الدين عن المجتمع وعن السياسة، إن وصل هؤلاء إلى الحكم وإلى المجلس سوف يقومون بذلك، لكنني أعتقد بأن القسم الكبير من الإصلاحيين حين يصرون على مبادئ الإمام الخميني وعلى المعتقدات الدينية يعتقدون بأن الدين بإمكانه أن يدير المجتمع، وأن يشرف على جميع المناسبات السياسية والاجتماعية والفردية، وكل ما يتعلق بالحياة المدنية".

وفي موضع آخر يقول هاشمي: "بالنسبة للقضايا الاقتصادية أستطيع أن أقول بأن وجهات النظر مشتركة بين التيارين اليساري واليميني وإنني مسؤول للجنة التخطيط والبرمجة في مجلس الشورى الإسلامي.. إن المحافظين والإصلاحيين متفقون في قضية فسح المجال في الأمور الاقتصادية أمام الناس وإنني أتصور بأنه ليس هناك خلاف في القضايا الاقتصادية وأن وجهات النظر مشتركة بين التيارين طبعًا هناك بعض المنافسات الحزبية وربما يوجه كل من الأحزاب نقدًا إلى الآخر لكن وجهات النظر متفقة".

ويضيف في رد على سؤال آخر: "الإصلاحيون كما قلت مجموعة كبيرة تيار واسع قسم من الإصلاحيين يؤمنون بما أقوله لكن هناك قسم قليل من الإصلاحيين لا يؤمنون بموضوعية الدين وحضوره في الساحات المختلفة الاجتماعية والسياسية ويؤمنون بالقيم العلمانية".

ويؤكد ما ذهب إليه بالقول: "أن أحد رجال الدين يترأس الحكومة، إن رئيس الجمهورية – يقصد روحاني المحسوب على الإصلاحيين - أحد تلامذة الحوزة الدينية وإن الكثير من الفصائل في المجتمع يتثقفون مع علماء الدين وإننا لا نستطيع أن نقول بأن الأجهزة المختلفة في الحكومة لا تتأثر من علماء الدين لكن هناك اختلاف في وجهات النظر بين علماء الدين كسائر العلماء والمثقفين".

ثم يوضح هاشمي طبيعة الخلاف بين الفريقين فيقول: "إنني قلت بأن هناك مبادئ مشتركة بين الإصلاحيين والمحافظين لا يمكن أن نغض النظر عنها لكن هناك اختلاف في بعض الميول وخاصة فيما يتعلق بكيفية إدارة المجتمع، تطرح بعض القوانين في المجلس حول إدارة القضايا المختلفة وهناك اختلاف في وجهات النظر بين الإصلاحيين والمحافظين"(3).

ويمكن التأكيد على ما ذهب إليه القيادي الإيراني المحافظ طه هاشمي بالنظر لموقف الفريقين مثلا من قضية الجزر الإماراتية التي تم احتلالها من قبل إيران وخلال عهد الشاه عام 1971م حيث واصلت إيران الثورة احتلالها ولم تحرك ساكنا فيما يتعلق بمطالب إعادتها إلى الإمارات، وهو الموقف الذي اتفقت عليه كل الأطراف الإيرانية -محافظة وإصلاحية- فهذه القضية من القضايا المحسومة سواء كان الرئيس والبرلمان إصلاحيين أو محافظين و"يبقى الفرق في أسلوب التعامل مع هذه القضية ليس إلاّ"(4).

ومن النماذج أيضا دعم إيران لحزب الله فإيران "محافظون وإصلاحيون" تعتقد أن مساعدتها لحزب الله في لبنان واجب مذهبي وثوري وأنها سوف تستمر في دعمه وهو ما أكده "هاشمي رفسنجاني" في لقائه مع "نبيه بري" رئيس مجلس النواب اللبناني: "إننا مع تقديرنا للمواقف الشجاعة لشعب لبنان وحكومته في دعم جبهة المقاومة أمام محاولات التوسع للنظام الصهيوني نؤكد على استمرار دعم إيران للمقاومة الشعبية في لبنان" وهو الموقف الذي كما يمثل رأي القيادة السياسية يؤكد موقف النخبة السياسية من محافظين وإصلاحيين.

وهذه الخدعة تنبه إليها الكثير من الباحثين الغربيين ومن بينهم الباحث في الشؤون الإيرانية راي تقية والذي أشار في مقال نشره موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية يوم 19 فبراير 2016 إلى أنه لا يوجد شيء اسمه خلاف بين الإصلاحيين والمتشددين بل الخلاف موجود بين المؤسسة والشعب، فما يهم في النهاية هو صوت الشعب.

ولفت تقية إلى أن روحاني نفسه ينتمي للمركز وليس للمعسكر الإصلاحي، ففي عام 2009 وافق على ضرب «الثورة الخضراء» عندما كان عضوا في مجلس الأمن القومي.

ويرى الكاتب أنه لا البرلمان ولا مجلس الخبراء يمتلكان السلطة الحقيقية، فالأول يحق للمرشد التصويت على قراراته، والثاني لا يملك السلطة لاختيار المرشد ولا يتجاوز دوره عن الإعلان عن المرشد الجديد والتبرير للرأي العام سبب اختياره ومَن سيختار المرشد هم قادة الحرس الجمهوري على حد رأيه وعليه فالانتخابات الإيرانية وإن كانت خطوة جيدة وتغيير في المسار فهي لا تتعدى كونها تصويتا شعبيا على روحاني قد تمنحه فرصة للفوز بولاية ثانية في العام المقبل (5).

----------------------

(1)             http://siyasa1.blogspot.com/2015/09/blog-post_3.html

(2)             http://www.albawabhnews.com/24699

(3)             http://www.aljazeera.net/programs/withoutbounds/2004/6/3/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D9%8A%D9%86

(4)             http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Siasia21/Islaheen-I/sec05.doc_cvt.htm

(5)             http://www.alquds.co.uk/?p=494218

 

 

أخبار ذات علاقة

«حزب الله» والمصارف.. هذه المرة لا مفر!

«حزب الله» والمصارف.. هذه المرة لا مفر!

2016-08-13 12:21:11

عمائم الإرهاب !

عمائم الإرهاب !

2016-09-06 14:24:44

فالإرهاب منهج ثابت واستراتيجية دائمة عند الشيعة وإيران منذ قيام دولة الملالي، وطال الإيرانيين وغير الإيرانيين، والشيعة والسنة، وما نعيشه اليوم هو تطبيق واعٍ وليست أخطاء عابرة أو تصرفات فردية.

المخططات الإيرانية في موسم الحج .. بين الماضي والحاضر

المخططات الإيرانية في موسم الحج .. بين الماضي والحاضر

2016-09-06 14:33:28

الحج أحد أركان الإسلام الْخَمسة، أوجبَه الله سبحانه وتعالى على المستطيع من عباده في قوله تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران: 97) وهو عبادة العمر، وللحج والكعبة والحرم مكانة عظيمة غرَسَها الله في قلوب المسلمين، فالمسلم يتحرَّق شوقًا إلى زيارة البيت الحرام، حتَّى يأذن الله له بتحقيق هذه الأُمْنية، التي يعتبرها كلُّ مسلم تتويجًا لرِحْلة العمر، وبابًا للفوز برِضْوان الله.

خدعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران

خدعة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران

2016-09-06 14:47:33

منذ منتصف تسعينيات القرن الميلادي الماضي والكثير من المستائين أو الرافضين للسياسات الإيرانية يراهنون على تفجر ما يسمى بصراع جناحي المحافظين والإصلاحيين في الداخل الإيراني، حيث انطلقت مراهنة هؤلاء من الاعتقاد بأن انتصار جناح الإصلاحيين ربما يُحدث تغييرا جذريا في بنية توجهات السياسة الإيرانية التي بدت معادية إلى أقصى درجة لبلدان المنطقة وهو الأمر الذي استبعد احتمالات إمكانية إقامة حوار جاد بين إيران وجيرانها يمكن من خلاله وضع أسس ومعايير تساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار في المنطقة التي عانت من فقدانه منذ ثورة الخميني عام 1979م، والتي لم يكد يمر عام على استتباب الأمر لرجالها حتى أشعلت حربا شرسة مع العراق استمرت لنحو ثماني سنوات استنزفت الكثير من مقدرات البلدين والبُلدان الداعمة لهما.