انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

 

 

الدَّكتور محمد عمارة

 حاصل على الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية سنة (1975م) من جامعة
               القاهرة.

مرّ بعدة تيارات فكرية بدأت بالماركسية، ثم الإعتزال، وبعدها أصبح قريب للاسلاميين
 له العديد من الكتب، والدراسات، والمحاضرات.

 

 الشِّيعة 

 

[ من كتابه «تيارات الفكر الإسلامي» في الصفحات (199- 245) باختصار ].

 

شيعة المرء: أعوانه، وأنصاره، والموالون لمذهبه، هكذا يدل المصطلح لغويًا، وبشكل عام.

أما في إطار الفكر الإسلامي ومذاهبه وتياراته؛ فلقد غلب هذا المصطلح «الشيعة» على الذين شايعوا وناصروا ووالوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «(23-40هـ/600 - 661م)، والأئمة من بنيه، وأهل بيت الرسول خ -على وجه العموم-.

ولقد استمرت هذه الدلالة ردحًا من الزمن، ثم تخصص المصطلح أكثر فأكثر عندما تبلورت في الفكر الإسلامي نظرية «النص والوصية»، أي: النص على أن الإمام -بعد الرسول-: هو علي بن أبي طالب، والوصية من الرسول -بأمر الله هذا- لعلي بالإمامة.

وكذلك تسلسل النص والوصية بالإمامة للأئمة من بنيه، على النحو الذي قالت به الشيعة؛ كفرقة من فرق المسلمين.

فلم تعد موالاة أهل البيت كافية كي يكون المرء «شيعيًّا»، بل أصبح الاعتقاد «بالنص والوصية»: معيار التميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام.

وكما انقسم المسلمون؛ في البداية، إلى: شيعة، وخوارج، ومعتزلة، ومرجئة، وأهل حديث (سلفية نصوصيين)...إلخ، فلقد انقسمت الشيعة إلى فرق وجماعات وتيارات، لأنهم؛ وإن اتفق جمهورهم على «النص والوصية» بالإمامة لعلي بن أبي طالب، فلقد اختلفوا في أعيان الأئمة المنصوص عليهم من بنيه.

كما اختلفوا في مدى التطرف أو الاعتدال الذي ذهبوا إليه في موالاة أهل البيت والتشيع لهم؛ حتى لقد بلغت انقساماتهم قرابة المائة؛ إذا نحن أدخلنا فيها الفروع.

لكن التيارات الرئيسية في الشيعة ظلت هي: الإمامية الإثني عشرية، والزيدية، والإسماعيلية، كما ظلت هذه التيارات الشيعية الثلاثة مستقطبة الكثرة الكاثرة من المتشيعين في عالم الإسلام حتى عصرنا الراهن.

ولما كانت هذه الانقسامات -في تيار التشيع-: قد حدثت على الأقل ظاهرًا، ومن حيث أسبابها المباشرة في الخلاف حول أعيان الأئمة المنصوص عليهم بعد علي بن أبي طالب، فلقد بدأ التشيع -موالاة لأهل البيت-: من منطلق أحقيتهم بالإمامة، والانتصار لهم؛ بعد أن ظلموا، ثم أصبح فرقة ذات نظرية متميزة في الفكر السياسي الإسلامي، عندما تبلورت نظرية «النص والوصية»... ثم بدأ طور الانقسام([1]).

 

 التشيع: سابق لظهور الشيعة كفرقة

 

عندما يؤرخ أعلام الشيعة لنشأة فرقتهم؛ يقولون: إن تاريخ هذه النشأة يعود إلى تاريخ وفاة الرسول خ، عندما اجتمع قادة الأنصار ونفر من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة؛ للتداول فيمن يخلف الرسول في الولاية على الدولة، وهو الاجتماع الذي تمخض عن البيعة لأبي بكر (13-51هـ/ 573- 634م) بالخلافة على دولة العرب المسلمين.

إذ يقول مؤرخو الشيعة: إن النفر من الصحابة الذين رفضوا ما تمخض عنه اجتماع السقيفة، وقالوا بأحقية علي بن أبي طالب للخلافة، كانوا هم نواة الشيعة؛ كفرقة، وطليعة المتشيعين لأهل بيت الرسول... تجمع على هذا الرأي مصادر الشيعة، وتتفق فيه فرقهم... ويتفق معهم في ذلك علماء الاستشراق([2]).

بل إن من علماء الشيعة من يذهب إلى: أن التشيع والشيعة؛ كفرقة، وبالمعنى الذي يدل عليه المصطلح اليوم: هو الاستمرار لإسلام النبوة المحمدية، وأن من عدا الشيعة من الذين رفضوا «النص والوصية» وقالوا بالشورى، هم: طارئون على فكر الإسلام، وعالم المسلمين!([3]).

لكن غير الشيعة -والمعتزلة خاصة-: ينكرون أن تكون الشيعة قد نشأت كفرقة في ذلك الزمان المبكر، ويؤرخون بعصر الإمام الشيعي جعفر الصادق (80- 148هـ/599 - 765م)، والمفكر الشيعي هشام بن الحكم (المتوفى سنة190هـ، 805م) ظهور الشيعة كفرقة يعني: ذكرها ما يعنيه التشيع بالمعنى المتعارف عليه الآن([4]).

والحق: أننا إذا قصدنا بالتشيع والشيعة معنى: الميل إلى إمارة علي بن أبي طالب للمؤمنين، والطموح إلى تقديمه وتفضيله على غيره من الصحابة؛ فإننا سنجد جماعة غير منظمة تجمعها هذه الآراء والأماني؛ منذ أن طرحت قضية الإمارة عقب وفاة الرسول خ.

ولقد ضمت هذه الجماعة بعضًا من بني هاشم، وكذلك المقداد، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري... الخ، ولقد استمرت هذه الجماعة غير المنظمة، واستمر هواها مع علي وبني هاشم؛ دون أن يتعدى ذلك نطاق الهوى والأمنيات... فلقد بايعوا -جميعًا- للخلفاء الثلاثة الأول، كما بايع لهم علي بن أبي طالب؛ بعد شهور أبطأها قبل البيعة للصديق... وتعاونوا
-جميعًا- في مواقع مختلفة، ومع جهاز دولة الخلافة تحت إمرة الخلفاء... فلم يكونوا لسلطة الخلافة وسلطان الخلفاء رافضين.

واستمر ذلك إلى أن بويع علي بن أبي طالب بالخلافة؛ بعد قتل عثمان بن عفان، وقامت الصراعات على السلطة بينه وبين طلحة بن عبيد الله (28 - 36هـ/596 - 656م)، والزبير بن العوام (28- 36هـ/596 - 656م)، ثم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان (20-60هـ/ 603-680م» من جانب، والخوارج من جانب آخر...

وفي تلك الفترة أضحى ممكنًا أن يطلق مصطلح: «شيعة علي» على أنصاره الذين حاربوا معه ونصروه ضد خصومه... وهم -هنا- شيعته، بمعنى: أنهم أنصار إمارته للمؤمنين، تلك الأمارة التي اختاروه لها وبايعوه بها؛ بعد مقتل عثمان بن عفان.

لكن هذا الرباط الفضفاض ليس هو المراد، ولا المتبادر إلى الذهن؛ إذا نحن تحدثنا فنيًّا واصطلاحيًّا عن الشيعة والتشيع، فليس الذي يميز الشيعة عن غيرهم تفضيل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان، ولا الميل إلى نصرته ودوام إمارته للمؤمنين يوم أن تولاها، ذلك أن «مدرسة البغداديين» -من المعتزلة- التي تكونت منذ عهد إمامهم بشر بن المعتمر (المتوفى سنة 201هـ /سنة:825م» قد تميزت عن «مدرسة البصرة» -الاعتزالية- بتفضيل عليّ على كل الصحابة.

ومع ذلك؛ فهم ليسوا شيعة بالمعنى الفني لهذا المصطلح، بل هم أعداء للشيعة؛ سياسة وفكرًا، رغم أنهم قد رضوا أن يتسموا -أحيانًا- باسم: «شيعة المعتزلة»! فليس تفضيل علي إذن: هو الذي يميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام، حتى يكون صالحًا؛ كي نؤرخ به نشأتهم الأولى!

أما الأمر الذي يميز الشيعة عن غيرهم فهو: عقيدة «النص والوصية»، وإذا كان التأريخ لنشأة فرقة من الفرق لا بد وأن يكون بظهور ما يميزها عن غيرها، فلابد أن يكون تاريخ نشأة الشيعة؛ كفرقة، هو: تاريخ تبلور نظريتها في «النص والوصية» بالإمامة لعلي بن أبي طالب والأئمة من بنيه...

ومن هنا؛ كان صواب ما ذهب إليه المعتزلة عندما قالوا: إن عهد إمامة جعفر الصادق للشيعة -وهو الذي نهض فيه هشام بن الحكم بدور واضع القواعد النظرية للتشيع، ومهندس بنائه الفكري- هو: الفترة الزمنية التي يؤرخ بها لهذه النشأة.

فالقول «بالوصية» لم يعرف قبل هشام بن الحكم، وهو الذي «ابتدع هذا القول، ثم أخذه عنه» معاصروه؛ ومن أتوا من بعده، مثل «الحداد»، و«أبو عيسى الوراق»، «ابن الراوندي»([5]).

فهذا المذهب؛ كما يقول القاضي عبد الجبار: قد «حدث قريبًا، وإنما كان من قبل يذكر الكلام في التفضيل، ومن هو أولى بالإمامة، وما يجري مجراه... »([6])، وكما يقول ابن المرتضى -وهو من الشيعة الزيدية-: «فإن مذهب الرافضة -أي: الإمامية الإثني عشرية- قد حدث بعد مضي الصدر الأول، ولم يسمع عن أحد من الصحابة من يذكر أن النص في علي جليٌّ متواترٌ؛ ولا في اثني عشر؛ كما زعموا!!...»([7]).

أما قبل هذا التاريخ -تاريخ ظهور عقيدة (النص والوصية) ؛ وهي العقيدة الوحيدة التي تميز الشيعة عن غيرهم في الحقيقة وواقع الأمر-: فلقد كان هناك من يميل إلى إمامة أبي بكر، ومن ناصر طلحة بن عبيد الله على عهد عمر كي يخلفه، ومن هيأ الأذهان لعثمان بن عفان.

وكان هناك -أيضًا؛ كما هو معروف- من كان هواه مع علي بن أبي طالب، يتمنى أن يختاره المسلمون ويبايعوه.

أما قول الشيعة: إن عقيدة (النص والوصية) قد وجدت قبل زمن هشام بن الحكم وجعفر الصادق، وأن عصر هشام قد أضاف إليها ظهور التصنيف فيها والنصرة لها، ولم ينشئها إنشاء: فإنه قول مردود... فنحن لا نجد في «نهج البلاغة» للإمام علي -وهو أقدم نص مجموع في التراث الشيعي عن آل بيت الرسول خ- أكثر من أنهم: أهل علم وبر وتقوى، وأنهم أحق بولاية أمر المسلمين، وأن قريشًا قد استأثرت بهذا الأمر من دونهم، فأبعدوهم عنه؛ حتى ولي علي الخلافة بعد عثمان... ولا ذكر فيه للنص الإلهي والوصية النبوية لعلي بالخلافة.

كما أننا لا نجد في مواطن الجدل من حول الخلافة -منذ اجتماع السقيفة؛ وحتى عصر هشام بن الحكم- من احتج (بالنص والوصية)؛ انتصارًا لعلي بن أبي طالب، وتزكية لحقه في إمارة المؤمنين.

كما أننا واجدون -ولذلك دلالته الهامة-: أن الأحاديث التي روتها الشيعة عن النص والوصية، وهي التي يضمها كتاب «الكافي» للكليني -وهو أهم مصادرهم، وأوثقها
-عندهم- في هذا الباب على الإطلاق-؛ إننا واجدون أن أغلب الروايات الشيعية عن النص والوصية: ترجع بسندها لتنتهي عند الإمام جعفر الصادق، ووالده الإمام أبو جعفر محمد بن علي (114هـ-732م).

فأبو جعفر محمد بن علي، وأبو عبد الله جعفر الصادق، وكذلك أبو الحسن علي بن موسى الرضا (153-203هـ/770-818م) ؛ هؤلاء الأئمة الثلاثة: إليهم تنسب أغلب الروايات التي رواها الشيعة؛ في صورة أحاديث عن النص والوصية... الأمر الذي يوحي بأن عصرهم كان: عصر تبلور هذه العقيدة؛ التي ميزت هذه الفرقة عن غيرها، والتي كرست هذا الانقسام في صفوف المسلمين.

وهناك موقف ثالث في التأريخ لنشأة التشيع؛ غير موقف الشيعة وعلماء الاستشراق؛ الذي يرجعها إلى يوم السقيفة، وغير موقف المعتزلة؛ الذي يقرنها بنشأة عقيدة (النص والوصية) في عهد هشام بن الحكم، وهذا الموقف الثالث: يؤرخ لنشأة التشيع بدعوى عبد الله بن سبأ؛ التي ظهرت في أواخر عهد عثمان بن عفان، ويعبر المقريزي عن هذا الموقف بقوله: «...وكان ابتداء التشيع في الإسلام: أن رجلًا من اليهود في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان؛ أسلم، فقيل له: عبد الله بن سبأ، وعرف بابن السوداء، وصار يتنقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم... »([8]).

وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي السنية إلى ابن السوداء -هذا-: نشاطًا عظيمًا، وجهدًا خرافيًّا، فتقول: إنه أتى الحجاز؛ وتقشف، وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ طلبًا للرئاسة، ثم لعب دورًا كبيرًا في إيقاع الفتنة بين الصحابة وعثمان بن عفان، وجازت حيلته ومؤامراته على جلة الصحابة وأكابرهم، ثم حرص على قتل عثمان، وحرك الناس في هذا السبيل.

وفي خلافة علي بن أبي طالب؛ أفسد المحاولات التي كادت تنجح للصلح، في البصرة بين علي وطلحة والزبير.

ثم جاء دوره في ظهور التشيع عندما جاء إلى الكوفة «يظهر تعظيم علي؛ بما لا يرضاه علي، ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين؛ كالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم، وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم في الفضل.

وكان يدعي: أن عليًّا يستخصه ويخرج إليه بأسرار؛ لا يخرج بها إلى غيره، وعلي لا يعلم بذلك... »([9])!... إلى آخر أوجه النشاط التي تعزى إلى ابن السوداء، والتي يبدو فيها منفذًا لمخطط محكم التدبير؛ تشرف عليه هيئة سرية تبتغي هدم دولة الإسلام!

وهناك من الباحثين: من هالتهم هذه الصورة؛ فبحثوا عن شخصية عبد الله بن سبأ -هذا-، وعن نشاطه، وقاد هذا البحث البعض إلى: إنكار وجود الشخصية كلية، ورأى أن مؤرخي السنة قد اخترعوها؛ كي يعلقوا في عنقها الأحداث، والصراعات، والدماء التي سببها الصراع على السلطة، حتى تظل لصحابة رسول الله صورتهم المثلى والمثالية في النفوس!َ

كما قاد هذا البحث البعض الآخر: إلى التسليم بوجود هذه الشخصية؛ ولكن مع رفض المبالغة في الدور الذي لعبته في تلك الأحداث([10]).

أما فيما يختص بموضوعنا -موضوع التأريخ لنشأة التشيع-: فإن وجود ابن سبأ؛ على فرض التسليم بوجوده، وظهور آرائه؛ سواء على عهد عثمان أو عهد علي، لا يصلح دليلًا على أن التشيع قد ظهر في ذلك التاريخ، فلم تنسب المصادر المعتمدة في التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن سبأ القول بالنص والوصية، بل نسبت إليه فقط القول بتفضيل عليّ على الصحابة، وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان... وحتى الشيعة أنفسهم لا يروون عنه شيئًا من ذلك، بل وينكر أغلبهم وجوده.

فدعوى عبد الله بن سبأ؛ على فرض وجوده ووقوعها: لم يكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل؛ كما يقول القاضي عبد الجبار، ومن هنا؛ فإن عصره لا يصح أن يتخذ بدءًا لتاريخ ظهور الشيعة والتشيع؛ بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف.

ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية؛ بل أصلًا من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية... فإننا لا نستطيع أن نرى في الحركات السياسية التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلًا على وجود فرقة الشيعة؛ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية؛ وهي: الوصية، وإنما قامت على أساس: أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين؛ تكفيرًا عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته؛ بعد أن بايعوه واستقدموه.

فبعد أن تنازل الحسن بن علي لمعاوية؛ على أن يكون له الأمر من بعده، (أي: أن يكون وليًّا للعهد)، والخليفة التالي لمعاوية؛ بعد هذا التنازل: أعلن معاوية أن وعده للحسن كان ضرورة حرب؛ حتى تجتمع كلمة الأمة، وتضع الحرب أوزارها، وأما وقد اجتمعت الكلمة، وسمي العام: (عام الجماعة)، فلقد أعلن تنصله من وعده، وقال: «إني كنت شرطت شروطًا ووعدت عدات، إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذ جمع الله لنا الكلمة والألفة، وأمننا من الفرقة، فإن ذلك تحت قدمي!..»([11]).

ويومها؛ جاء إلى الحسن بن علي وفد من أشراف أهل العراق؛ يلومونه على أنه لم يستوثق من معاوية بوعد مكتوب يشهد عليه وجوه أهل المشرق والمغرب... ثم عرضوا عليه الشروع في حرب معاوية ثانية، فإن معه من شيعته أربعين ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم؛ سوى شيعة الحسن من أهل البصرة والحجاز.

فنحن -هنا-: إزاء شيعة لها جيش منظم، يأخذ العطاء، ويتكلم باسمها سليمان بن صرد (28- 65هـ/595-684م) طالبًا من الحسن النهوض لمقاومة معاوية وقتاله.

ومن القدماء من يرى: أن هذا الموقف، وذلك التاريخ: هو بدء ظهور التشيع؛ بمعناه المعروف.

ولكننا نقول: إن هذه الشيعة لم يقم تنظيمها على القاعدة الأولى والأساسية للتشيع، قاعدة :(النص والوصية)، ومن ثم؛ فلم يكونوا شيعة بالمعنى المعروف -الآن- لنا؛ الذي عرف منذ عصر جعفر وهشام بن الحكم، ولو كان الأمر غير ذلك؛ لقال سليمان بن صرد يومها للحسن بن علي: إنه ما كان لك أن تتنازل لمعاوية، لأن هذا التنازل مناقض للنص والوصية على إمامتك، ومن ثم؛ فإن هذا التنازل باطل دينيًا؛ وبالأولى سياسيًا، فاستغفر لذنبك، وانهض بنا نقاتل معاوية بن أبي سفيان!

لو كانوا شيعة، ولو كانت الشيعة قد ظهرت يومئذ -بمعناها الاصطلاحي الحالي-؛ لقالوا ذلك، ولكن هذا هو منطقهم الفكري... ولكنهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا بقية جيش علي ودولته، الذين بايعوا الحسن، قبل تنازله لمعاوية، فلما تنازل على أن يكون له الإمرة من بعده، استمروا من حوله في انتظار قضاء الله أن يسبق إلى معاوية؛ فتعود الإمرة للحسن، وتعود لهم الحكومة والسلطان.

لقد كانوا -كما يقول أدبنا السياسي الحديث-: حكومة الظل التي تعيش بجيشها وفي عاصمتها؛ تنتظر موت معاوية كي تلي أمر الأمة، وفقا للعهد الذي قطعه معاوية للحسن، ومن ثم؛ فلم يكن موقفهم هذا، ولا عهدهم ذاك: هو موقف الشيعة ولا العهد الذي يؤرخ به ظهور هذه الفرقة؛ بمعناها وفكرها المعروف.

أما عندما بدأ القول بالإمامة، وبدأ التأليف فيها، ورواية الأحاديث والقصص التي تدور حول النص والوصية لعلي وبنيه؛ نشأت: عقيدة الشيعة؛ التي ميزتهم -ولا زالت تميزهم- عن الفرق الأخرى، وتكون التنظيم الشيعي الذي اعتنق أهله هذا الاعتقاد.

وابن النديم -وهو يؤرخ لنشأة التأليف- يذكر: أن أول من تكلم في مذهب الإمامية:
علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار([12]).

صحيح أنه يذكر: أن هذا الرجل: قد كان من جلة أصحاب علي ا، ولكن لم يقل أحد: إن عهد علي بن أبي طالب قد شهد التأليف في الإمامة أو غيرها من الفنون... أما بعد ذلك؛ فلقد كتب علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار؛ كطليعة للقائلين بالإمامة والمتكلمين فيه، كتب كتاب «الإمامة»، وكتاب «الاستحقاق».

وإذا نحن رجعنا إلى «معجم المؤلفين»؛ فإننا نجده يذكر: أن علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار كان حيًّا قبل سنة (179هـ/795م)، الأمر الذي يبتعد به عن عهد علي بن أبي طالب!

ويضيف المعجم: أن الرجل قد كانت له مجالس مع هشام بن الحكم؟!([13]) ثم جاء دور هشام بن الحكم، الذي؛ كما يقول ابن النديم: «فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب والنظر، وألف فيها: كتاب «الإمامة»، وكتاب «الرد على من قال بإمامة المفضول»، وكتاب «اختلاف الناس في الإمامة»، وكتاب «الوصية والرد على من أنكرها»، وكتاب «الحكمين»، وكتاب «الرد على المعتزلة في طلحة والزبير»([14]).

فللمرة الأولى ترد كلمة: (الوصية) في عنوان كتاب هشام بن الحكم... أما قبل هذا العهد؛ فإن المرء لا يستطيع العثور على أثر لهذه العقيدة؛ لا في فكر المسلمين الذي أرخ ابن النديم لظهوره وذكر عناوين مصنفاته، ولا في الجدل الذي دار حول السلطة والإمارة، ولا في المواقف العملية لدى أي فريق من الفرقاء.

هذا عن التاريخ الحقيقي لنشأة عقيدة (النص والوصية)، أي: التاريخ الحقيقي لنشأة التشيع والشيعة؛ بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف لنا -الآن-.

 

(1)        النوبختي: «فرق الشيعة»، (ص:2/3)، طبعة استانبول سنة (1931 م)، والطوسي «تلخيص الشافي» (ج1/ق2/ص109-112)، طبعة النجف (1383- 1384هـ).

(2)        لويس برنارد، «أصول الإسماعيلية» (ص:83-86) طبعة القاهرة - دار الكتاب العربي.

(3)        السيد محمد باقر الصدر: «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية»، تقديم وتعليق السيد طالب الحسيني الرفاعي، طبعة القاهرة (سنة 1977م).

(4)        القاضي عبد الجبار: «تثبيت دلائل النبوة» (2/258-259)، و«المغني في أبواب التوحيد والعدل» (ج20 ق1/ص127، 223)، وابن المرتضى، (باب ذكر المعتزلة) من كتاب «المنية والأمل»، (ص:4-5)، و د. علي سامي النشار: «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» (2/2)، طبعة القاهرة (سنة 1969م).

(1)        «تثبيت دلائل النبوة» (2/528-529).

(2)        «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (ج20/ق1/ص323، 127).

(3)        (باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل)، (ص:4).

(1)        «خطط المقريزي» (3/262)، طبعة دار التحرير- القاهرة.

(1)        «تثبيت دلائل النبوة» (2/545-546).

(2)        «أصول الإسماعيلة» (ص:87)، د. طه حسين، «الفتنه الكبرى» (2/93) طبعة القاهرة، سنة (1969م).

(1)        «تثبيت دلائل النبوة» (2/586).

(1)        ابن النديم «الفهرست» (ص175)، طبعة ليبزج، سنة (1871م).

(2)        عمر رضا كحالة «معجم المؤلفين»، طبعة دمشق، سنة (1959م).

(3)        «الفهرست» (ص:175-176).

 

إقرأ أيضا

انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية؛ بل أصلًا من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية... فإننا لا نستطيع أن نرى في الحركات السياسية التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلًا على وجود فرقة الشيعة؛ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية؛ وهي: الوصية، وإنما قامت على أساس: أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين؛ تكفيرًا عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته؛ بعد أن بايعوه واستقدموه.

تابع القراءة
انتقادات الامام ابن عاشور لعقائد الشيعة الامامية .

انتقادات الامام ابن عاشور لعقائد الشيعة الامامية .

قال z (ص139) من المجلد (الأول) -في معرض كلامه عن «البسملة»، وخلاف أهل العلم في كونها آية من كل سورة-: «... قال الباقلاني: لو كانت التسمية من القرآن؛ لكان طريق إثباتها: إما التواتر، أو الآحاد، والأول: باطل؛ لأنه لو ثبت بالتواتر كونها من القرآن؛ لحصل العلم الضروري بذلك، ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة. والثاني -أيضًا-: باطل؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلو جعلناه طريقًا إلى إثبات القرآن؛ لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنيًا!

تابع القراءة
انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

الشيعة: أقدم المذاهب السياسية الإسلامية، وقد ذكرنا أنهم ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمان ا، ونما وترعرع في عهد علي ا؛ إذ كان كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجابًا بمواهبه، وقوة دينه وعلمه؛ فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه، ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال. ولما اشتدت المظالم على أولاد علي في عهد الأمويين؛ وكثر نزول الأذى بهم: ثارت دفائن المحبة لهم -وهم ذرية رسول الله خ-، ورأى الناس فيهم شهداء الظلم؛ فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره.

تابع القراءة
انتقادات الشيخ أبو الحسن الندوي لعقائد الشيعة .

انتقادات الشيخ أبو الحسن الندوي لعقائد الشيعة .

فإن السؤال الذي أطرحه في بداية هذه المقدمة: كيف كان العصر الإسلامي الأول؟ كيف كان ذلك العصر المثالي؛ الذي شهد مولد الإسلام؟ كيف كان عصر الأسوة الحسنة؟ وما النتائج العملية التي تمخضت عن التعاليم النبوية، وعن التربية المحمدية التي شرف بها المسلمون -آنذاك-؟ وكيف كانت أحوال أولئك الناس؛ الذين نشئوا وترعرعوا في أحضان النبوة، وفي ظل الرسالة المحمدية؟ كيف كانت أعمال ذلك الرعيل الأول؟ وكيف كان سلوك هذا الجيل؛ الذي شهد شروق شمس الإسلام الوضاءة؟ ما الخصائص التي ميزت النبي الكريم عن غيره من مؤسسي الديانات الأخرى؟

تابع القراءة