انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

 

 

الإمَام محمد أبو زَهْرة

 

*  ولد عام (1898م)، في مدينة المحلة المصرية، وتوفي عام
       (1979م).

 

* حصل على عالمية القضاء الشرعي مع درجة أستاذ بتفوق عام (1924م).

* تولى التدريس في دار العلوم وكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكلية
         الحقوق بجامعة القاهرة، ثم شغل منصب أستاذ محاضر للدراسات العليا،
          ورئيس لقسم الشريعة ووكيل لكلية الحقوق ومعهد الدراسات الإسلامية.

* له العديد من الكتب والأبحاث والفتاوى.

* كانت له مواقف مشهودة صدع فيها بالحق، في وجه الظالمين المستكبرين، منها
         رفضه لمحاولة ترسيخ مفهوم: (اشتراكية الإسلام).

 

 (الشيعة) التعريف الإجمالي بهم 

 

[ هذا البحث كتبه الإمام محمد أبو زهرة في كتابه «تاريخ المذاهب الإسلامية» (ص 32- 36، 46- 52].

الشيعة: أقدم المذاهب السياسية الإسلامية، وقد ذكرنا أنهم ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمان ا، ونما وترعرع في عهد علي ا؛ إذ كان كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجابًا بمواهبه، وقوة دينه وعلمه؛ فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه، ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال.

ولما اشتدت المظالم على أولاد علي في عهد الأمويين؛ وكثر نزول الأذى بهم: ثارت دفائن المحبة لهم -وهم ذرية رسول الله خ-، ورأى الناس فيهم شهداء الظلم؛ فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره.

وقوام هذا المذهب هو: ما ذكره ابن خلدون في مقدمته: «إن الإمامة: ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى الأمة، ويتعين القائم فيها بتعيينهم، بل هي: ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالها، وتفويضها إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا عن الكبائر والصغائر».

ويتفق الشيعة على أن علي بن أبي طالب هو: الخليفة المختار من النبي خ، وأنه أفضل الصحابة -رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.

ويرى: أن من الصحابة من يرى رأي الشيعة في تفضيله على كل الصحابة، وقد ذكر ابن أبي الحديد الشيعي المعتدل: أن من الصحابة الذين فضلوا عليًّا على كل الصحابة عمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبا ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وحذيفة، وبريدة، وأبا أيوب الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبا الهيثم بن التيهان، وأبا الطفيل عامر بن وائلة، والعباس بن عبد المطلب وبنيه؛ وبني هاشم
-كافة-.

ويقول ابن أبي الحديد: «وابن الزبير: كان من القائلين به في بدء الأمر، ثم رجع عنه؛ كما يذكر أن بعض بني أمية: كانوا يرون هذا الرأي؛ ومنهم: سعيد بن العاص».

ولم يكن الشيعة على درجة واحدة، بل كان منهم: الذين غالوا في تقدير علي وبنيه، ومنهم: المعتدلون المقتصدون، وقد اقتصر المعتدلون على تفضيله على كل الصحابة من غير تكفير أحد، ومن غير أن يضعوه في درجة التقديس؛ التي يعلو بها على البشر!

ولقد قال ابن أبي الحديد في المعتدلين منهم: «وكان أصحابنا: أصحاب النجاة، والخلاص، والفوز في هذه المسألة، لأنهم: سلكوا طريقًا مقتصدًا، قالوا: إنه أفضل الخلق في الآخرة، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأفضل الخلق في الدنيا، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب، وكل من عاداه أو أبغضه: فإنه عدو الله، وخلد في النار مع الكفار والمنافقين، إلا أن يكون ممن ثبتت توبته، ومات على توليه وحبه.

فأما الأفاضل من المهاجرين الذين ولوا الإمامة قبله: فلو أنكر إمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم؛ فضلًا عن أن يشهر عليهم السيف أو يدعوهم إلى نفسه: لقلنا: إنهم من الهالكين؛ كما لو غضب رسول الله خ وآله، لأنه قد ثبت أن رسول الله خ قال: «حَرْبُكَ: حَرْبِـي، وَسِلْمُكَ: سِلْمِي»، وأنه قال: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»، وقال له: «لَا يُـحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ».

ولكنا رأيناه: رضي إمامتهم وبايعهم، وصلى خلفهم، وأنكحهم وأكل فيئهم، فلم يكن لنا أن نتعدى فعله، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه، ألا ترى: أنه لما برئ من معاوية؛ برئنا منه، ولما لعنه؛ لعناه، ولما حكم بضلال أهل الشام؛ ومن كان فيهم من بقايا الصحابة؛ كـعمرو بن العاص، وعبد الله ابنه وغيرهما؛ حكمنا -أيضًا- لهم.

والحاصل: أننا لم نجعل بينه وبين النبي خ إلا رتبة النبوة، وأعطيناه كل ما عدا ذلك من الفضل المشترك بينه وبينه، ولم نطعن في أكابر الصحابة؛ الذين لم يصح عندنا أنه طعن فيهم»([1]).

 

o المواطن الذي نشئوا فيها، وزمان نشأتهم p

 

قامت الشيعة ظاهرة كما قلنا في آخر عصر الخليفة الثالث عثمان، وقد نمت وترعرعت في عهد علي ا، من غير أن يعمل على تنميتها، ولكن مواهبه كما قلنا هي التي دعت إليه، ولما قبضه الله -تعالى- إليه، تكونت الفكرة الشيعية مذاهب، منها ما كان فيه مغالاة ومنها ما كان فيه اعتدال كما نوهنا، وهي في كلتا حاليها قد اتسمت بالتعصب الشديد لآل البيت النبوي.

وقد كان العصر الأموي محرضًا على المغالاة في تقدير علي ا، وذلك أن معاوية سن سنة سيئة في عهده وفي عهد ابنه ومن خلفه من الأمويين حتى عهد عمر بن عبد العزيز، وتلك السنة هي لعن إمام الهدى علي بن أبي طالب ا عقب تمام الخطبة، ولقد استنكر ذلك بقية الصحابة ونهوا معاوية وولاته عن ذلك، حتى لقد كتبت أم سلمة زوج رسول الله خ إليه كتابًا تنهاه وتقول فيه: «إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، ذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأشهد أن رسول الله خ أحبه».

وفوق ذلك فإنه في عهد يزيد قتل الحسين بن علي الذي هو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة... كما ورد في الأثر - قتلة فاجرة، وذهب دمه عبيطًا، من غير أن ترعى حرمة دين، وأخذت بنات الحسين، وبنات علي سبايا إلى يزيد بن معاوية، وهم بنات ابنة النبي خ، والعترة النبوية الطاهرة.

رأى الناس ذلك، ولم يستطيعوا تغييرًا ولا تحويلًا، فكظموا غيظهم وكبتوا نفوسهم واشتد ألمهم، فاندفعوا إلى المغالاة في تقدير أولئك الذين غالى الأمويون في إيذائهم، وهكذا يدفع الكبت العقلي والنفسي دائمًا، فإنه يدفع المبالغة في التقدير، إذ العطف والإشفاق يدفعان إلى الإكبار والتقدير.

والشيعة نشأت في مصر ابتداء في عهد عثمان إذ وجد الدعاة فيها أرضًا خصبة، وعمت العراق، واتخذته لها مستقرًا ومقامًا، فإذا كانت المدينة ومكة، وسائر مدائن الحجاز مهدًا للسنة والحديث، والشام مهدًا لنصراء الأمويين فقد كان العراق مقامًا للشيعة، ولماذا كان العراق مهد الشيعة؟

لقد تضافرت عدة أسباب فجعلته كذلك، فـ«علي بن أبي طالب» أقام به مدة خلافته، وفيه التقى بالناس ورأوا فيه ما أثار تقديرهم، ولم يعلنوا الولاء بقلوبهم للأمويين قط، فرماهم معاوية في خلافته، بزياد ابن أبيه فقضى على المعارضة أن تظهر، ولكنه لم يقتلع جذورها من النفوس، ولما مضى زياد استمر ابنه على حكمه من بعده في عهد يزيد بن معاوية، وصار العراق أول المنتقضين على الأمويين حتى استقر الأمر لبني مروان في عهد عبد الملك بن مروان، فرماهم بالحجاج فاشتد في القمع، وكلما اشتد قمعه اشتد المذهب الشيعي في نفوس معتنقيه.

والعراق فوق تلك ملتقى حضارات قديمة، ففيه علوم الفرس، وعلوم الكلدان وبقايا حضارات هذه الأمم وقد ضمت إلى هذا فلسفة اليونان، وأفكار الهنود، وقد امتزجت هذه الحضارات وتلك الأفكار في العراق، فكان المنبت الذي ينبت أكثر الفرق الإسلامية وخصوصًا ما يتصل فيه بالفلسفة؛ ولذلك امتزجت بالشيعة آراء فلسفية تتلاءم مع بيئة العراق الفكرية. وفوق ذلك فإن العراق كان مهد الدراسات العلمية وفي أهله ذكاء، وفيهم تعمق.

وقال فيه ابن خلدون: «ومما ينقدح لي في الفرق بين هؤلاء القوم وبين العرب الذين حاصروا رسول الله خ، أن هؤلاء من العراق، وساكني الكوفة، وطينة العراق مازالت تنبت أرباب الأهواء، وأصحاب النحل العجيبة والمذاهب البديعة، وأهل الإقليم أهل بصر وتدقيق ونظر وبحث عن الآراء والعقائد، وشبه معترضى المذاهب وقد كان منهم أيام الأكاسرة مثل ماني، وديصان ومزدك وغيرهم، وليست طينة الحجاز هذه الطينة، ولا لأذهان أهل الحجاز هذه الأذهان».

ونرى من هذا أن العراق كان مزدحم الآراء والمعتقدات من قديم، فكان لا بد أن تنشأ فيه المذاهب السياسية والمذاهب الاعتقادية، فلا غرابة أن تنمو الأفكار الشيعية في بيئته.

 

o أثر الفلسفة القديمة في المذهب الشيعي  p

 

لا شك أن الشيعة: فرقة إسلامية؛ إذا استبعدنا مثل: (السبئية) الذين ألَّـهوا عليًّا؛ ونحوهم.

لا شك أنها -في كل ما تقول-: تتعلق بنصوص قرآنية، أو أحاديث منسوبة إلى
النبي خ، ولكن مع ذلك: اشتملت آراؤها على: أفكار فلسفية؛ أرجعها علماء العراق والغرب إلى مصادرها من المذاهب الفلسفية والدينية السابقة على الإسلام، والحضارة الفارسية التي انتهت بظهور الإسلام.

فبعض العلماء الأوروبيين، منهم: الأستاذ دروزي؛ يقرون أن: «أصل (المذهب الشيعي): نزعة فارسية؛ إذ إن العرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك وبالوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى الانتخاب للخليفة، وقد انتقل النبي خ إلى الرفيق الأعلى؛ ولم يترك ولدًا، فأولى الناس بعده: ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان: فقد اغتصب الخلافة من مستحقها!

وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى: التقديس، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته، وقالوا: إن طاعة الإمام واجب، وطاعته: طاعة الله -سبحانه- تعالى»([2]).

وقرر بعض العلماء الأوروبيين: أن «الشيعة» أخذت من اليهودية أكثر مما أخذت من الفارسية، مستدلًا بأن عبد الله بن سبأ، أول من أظهر الدعوة إلى تقديس علي: كان يهوديًّا، وقرر هؤلاء: أنه مع تلك الآثار اليهودية في المذهب الشيعي؛ فالمذهب الشيعي: كان مباءة للعقائد الآسيوية القديمة؛ كالبوذية، وغيرها([3]).

ولعل هذا القول الذي قرر: أن هذا المذهب الشيعي: استقى من اليهودية بعض مبادئه: قد استفاده الأوروبيون من أقوال للشعبي، وكلام لابن حزم الأندلسي، فقد كان الشعبي يقول عن الشيعة: «إنهم يهود هذه الأمة»، وقال ابن حزم في «الفصل»: «سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين: إن إلياس ÷، وفنحاس ابن العازار بن هرون ÷: أحياء إلى اليوم، وسلك هذا بعض الصوفية، فزعموا أن الخضر وإلياس إ حيان إلى الآن!»([4]).

وفي الحق؛ أنا نعتقد: أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك والوراثة، والتشابه بين مذهبهم، ونظام الملك الفارسي واضح.

ويزكي هذا: أكثر أهل فارس -إلى الآن- من الشيعة، وأن الشيعة الأولين: كانوا من فارس.

وأما اليهودية: فإذا كانت توافق بعض آرائهم؛ فلأن الفلسفة الشيعية اقتبست من نواح مختلفة، وكان المنزع فارسيًّا في جملته؛ وإن استندوا إلى أقوال إسلامية.

والشيعة الحاضرون وأكثر المعتدلين: ينكرون أن يكون مثل عبد الله بن سبأ منهم، لأنه ليس مسلمًا في نظرهم؛ فضلًا عن أن يكون شيعيًّا، ونحن نوافقهم كل الموافقة.

 

o الإمامية الإثنا عشرية  p

 

هذه الطائفة التي تحمل اسم: (الشيعة الإمامية): يدخل في عمومها أكبر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي في إيران والعراق، وما وراءها من باكستان، وغيرها من البلاد الإسلامية.

ويدخل في عمومها: طوائف لم تنحرف اعتقاداتها إلى درجة أن تخالف نصًّا من نصوص القرآن الكريم، أو أي أمر علم من الدين بالضرورة.

وطوائف أخرى: أخفت اعتقاداتها! وأعمالها لا تدخل في الإسلام على انحراف شديد، وسنشير إشارات موجزة إلى هذه المذاهب.

والجامع لهؤلاء: هو ما تدل عليه التسمية بعبارة «الإمامية»؛ فإنهم يقولون: إن الأئمة لم يعرفوا بالوصف؛ كما قال الإمام زيد بن علي، بل عينوا بالشخص، فعين الإمام علي من
النبي خ، وهو يعين من بعده بوصية من النبي خ، ويسمون بالأوصياء، فقد أجمع الإمامية على: أن إمامة علي ا قد ثبتت بالنص عليه بالذات من النبي خ نصًّا ظاهرًا، ويقينًا من غير تعريض بالوصف، بل بإشارة بالعين!

قالوا: «وما كان في الدين أمر أهم من تعيين الإمام حتى يفارق a الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة! فإنه إذا كان قد بعث لرفع الخلاف وتقرير الوفاق، فلا يجوز أن يفارق الأمة، ويترك الناس هملًا؛ يرى كل واحد منها طريقًا، ولا يرافقه عليه غيره»، بل يجب أن يعين شخصًا هو المرجوع إليه، وينص على واحد هو الموثوق به، والمعمول عليه، وعلي هو الذي عُيِّن بنصٍّ نبويٍّ بذلك([5]).

ويستدلون على تعيين علي ا بالذات: ببعض آثار عن النبي خ؛ يعتقدون صدقها، وصحة سندها، مثل: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ: فَعَلِـيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»، ومثل: «أَقْضَاكُمْ: عَلِـيٌّ» ومخالفوهم يشكون في نسبة هذه الأخبـار إلى الرسول خ.

ويستدل الإمامية -أيضًا-: باستنباطات استنبطوها من وقائع كانت من النبي خ، ومنها: أن النبي خ لم يؤمر على علي أحدًا من الصحابة قط، وحينما انفرد عن رسول الله في غزوة أو سرية كان هو الأمير، بخلاف أبي بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة، فإنهم: كانوا أحيانًا أمراء، وأحيانًا تكون الإمرة لغيرهم، وليس أدل على ذلك من جيش أسامة الذي أوصى به النبي خ من بعده؛ فقد كان فيه أبو بكر وعمر.

وأنهم: يعتقدون أن النبي قد بعثهما في جيش أسامة؛ لكيلا ينازعا عليًّا في الخلافة التي أوصى بها؛ في اعتقادهم!!

ويقولون -أيضًا-: عندما جعل أبا بكر أميرًا للحج، ونزلت سورة براءة أرسل عليًّا ليتلوها على الناس في موسم الحج، ولم يجعل ذلك لأبي بكر، مع أنه كان الأمير.

وهكذا يستدلون على تعيين علي بالذات بأخبار اعتقدوا صحتها، وبأعمال قد اعتقدوا أنها في معنى النص على إمامته ا!!

وخالفهم الجمهور في صحة الأخبار، كما قد خالفوهم في صحة استنباطهم من الوقائع المجمع عليها.

وكما اتفق الإمامية فيما بينهم على: أن عليًّا وصي النبي خ بالنص، قرروا: أن الأوصياء من بعد علي هم أولاده من فاطمة: الحسن ثم الحسين ب، وهؤلاء هم المجمع عليهم، وقد اختلفوا من بعد ذلك على فرق مختلفة في الأئمة بعد هؤلاء، بل أنهم: قد اختلفوا من بعد ذلك على أكثر من سبعين فرقة، وأعظمها فرقتان: (الإثنا عشرية، والإسماعيلية).

يرى الإثنا عشرية: أن الخلافة بعد الحسين ا لعلى زين العابدين، ومن بعده لمحمد الباقر، ثم لأبي عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم لابنه موسى الكاظم، ثم لعلي الرضا، ثم لمحمد الجواد، ثم لعلي الهادي، ثم للحسن العسكري، ثم لمحمد ابنه -وهو الإمام الثاني عشر-؛ ويعتقدون: أنه دخل سردابًا في دار أبيه بـ «سر من رأى» ولم يعد بعد!

ثم اختلفوا في سنه، وقت اختفائه، فقيل: كانت سنه -إذ ذاك- أربع سنين، وقيل: ثماني سنوات.

وكذلك اختلفوا في حكمه؛ فقال بعضهم: إنه كان في هذه السن عالمًا بما يجب أن يعلمه الإمام، وإن طاعته كانت واجبة، وقال آخرون: كان الحكم لعلماء مذهبه.

وإن هذا الرأي الأخير هو الذي يسير عليه الإثنا عشرية في هذا الزمان.

والإثنا عشرية: يوجدون -الآن- في العراق، فالشيعة في العراق؛ وهم عدد كثير يقارب النصف: يسيرون على مقتضى المذهب الإثني عشري في عقائدهم، ونظمهم في الأحوال الشخصية، والمواريث، والوصايا، والأوقاف، والزكوات، والعبادات -كلها-، وكذلك: أكثر أهل إيران، ومنهم: من ينبثون في بقاع من سوريا، ولبنان، وكثير من البلاد الإسلامية، وهم: يتوددون إلى من يجاورونهم من السنيين؛ ولا ينافرونهم.

وإن الإمامية الإثني عشرية؛ كسائر الإمامية: يفرضون في الإمام سلطانًا مقدسًا؛ يأخذه بإيصاء عن النبي خ، فكما أن ولايته أمر الأمة: كانت بالوصاية، فتصرفاته -كلها-: مشتقة من صاحب هذه الوصاية؛ وهو النبي خ! لذلك يجب أن نذكر سلطانه وحدوده في القوانين والأحكام.

 

 

(1)        «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.

(1)        راجع في ذلك «فجر الإسلام» للأستاذ الدكتور أحمد أمين z.

(1)        «السيادة العربية».

(2)        «الفصل» (4/4/م180).

(1)        «الملل والنحل» للشهرستاني.

 

إقرأ أيضا

انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

انتقادات الدكتور محمد عمارة لعقائد الشيعة الاثني عشرية

ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية؛ بل أصلًا من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية... فإننا لا نستطيع أن نرى في الحركات السياسية التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلًا على وجود فرقة الشيعة؛ بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية؛ وهي: الوصية، وإنما قامت على أساس: أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين؛ تكفيرًا عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته؛ بعد أن بايعوه واستقدموه.

تابع القراءة
انتقادات الامام ابن عاشور لعقائد الشيعة الامامية .

انتقادات الامام ابن عاشور لعقائد الشيعة الامامية .

قال z (ص139) من المجلد (الأول) -في معرض كلامه عن «البسملة»، وخلاف أهل العلم في كونها آية من كل سورة-: «... قال الباقلاني: لو كانت التسمية من القرآن؛ لكان طريق إثباتها: إما التواتر، أو الآحاد، والأول: باطل؛ لأنه لو ثبت بالتواتر كونها من القرآن؛ لحصل العلم الضروري بذلك، ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة. والثاني -أيضًا-: باطل؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلو جعلناه طريقًا إلى إثبات القرآن؛ لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنيًا!

تابع القراءة
انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

انتقادات الشيخ محمد أبو زهرة لعقائد الشيعة الامامية .

الشيعة: أقدم المذاهب السياسية الإسلامية، وقد ذكرنا أنهم ظهروا بمذهبهم في آخر عصر عثمان ا، ونما وترعرع في عهد علي ا؛ إذ كان كلما اختلط بالناس ازدادوا إعجابًا بمواهبه، وقوة دينه وعلمه؛ فاستغل الدعاة ذلك الإعجاب، وأخذوا ينشرون آراءهم فيه، ما بين رأي فيه مغالاة، ورأي فيه اعتدال. ولما اشتدت المظالم على أولاد علي في عهد الأمويين؛ وكثر نزول الأذى بهم: ثارت دفائن المحبة لهم -وهم ذرية رسول الله خ-، ورأى الناس فيهم شهداء الظلم؛ فاتسع نطاق المذهب الشيعي، وكثر أنصاره.

تابع القراءة
انتقادات الشيخ أبو الحسن الندوي لعقائد الشيعة .

انتقادات الشيخ أبو الحسن الندوي لعقائد الشيعة .

فإن السؤال الذي أطرحه في بداية هذه المقدمة: كيف كان العصر الإسلامي الأول؟ كيف كان ذلك العصر المثالي؛ الذي شهد مولد الإسلام؟ كيف كان عصر الأسوة الحسنة؟ وما النتائج العملية التي تمخضت عن التعاليم النبوية، وعن التربية المحمدية التي شرف بها المسلمون -آنذاك-؟ وكيف كانت أحوال أولئك الناس؛ الذين نشئوا وترعرعوا في أحضان النبوة، وفي ظل الرسالة المحمدية؟ كيف كانت أعمال ذلك الرعيل الأول؟ وكيف كان سلوك هذا الجيل؛ الذي شهد شروق شمس الإسلام الوضاءة؟ ما الخصائص التي ميزت النبي الكريم عن غيره من مؤسسي الديانات الأخرى؟

تابع القراءة