منهج أهل السنة في الخلق .

منهج أهل السنة في الخلق .

 

 

منهج أهل السنة في الخلق
ناصر بن محمد الأحمد


ملخص الخطبة
1- أزمة المسلمين اليوم أزمة أخلاق. 2- من منهج السلف الصالح الاهتمام بجانب الأخلاق. 3- مكانة الأخلاق الفاضلة في الإسلام. 4- أخطاء في مفهوم الأخلاق. 5- سبل وطرق لرفع مستوى أخلاقنا. 6- من أخلاق المؤمنين.

الخطبة الأولى
أما بعد: أيها المسلمون، فإنه لم يعد خافيًا على كل مسلم يريد لنفسه النجاة في الدنيا والآخرة أن التزام كتاب الله وسنة رسوله  بفهم السلف الصالح هو سفينة النجاة، وإنّ المتأمل في حياتنا ـ نحن المسلمين ـ في هذه العصور المتأخرة على اختلاف درجاتنا في الاستقامة والإيمان ليلاحظ انفصالاً كبيرًا بين الجانب العلمي النظري والجانب السلوكي الأخلاقي، حيث أصبح من المعتاد أن يرى الإنسان أحيانًا من نفسه أو من بعض إخوانه ـ حتى الصالحين منهم ـ بعدًا في كثير من الجوانب الأخلاقية، فمن اللازم إذًا عند طرح منهج السلف والدعوة إليه أن يطرح بشكل شامل، فيتضمن العقيدة والفقه والسلوك والأخلاق، فكما أنه لا يقبل من أحد أن يلتزم بأخلاق السلف ويترك معتقدهم، فكذلك لا يسوغ لأحد أن يعتقد معتقدهم ويترك الالتزام بسلوكهم وأخلاقهم، ولو أننا رجعنا إلى سيرة السلف الصالح لوجدنا خير مثال للمنهج المتكامل.
أيها الإخوة، إننا إذا أدركنا هذا الأمر والتزمنا به فسوف تختفي من حياتنا وبإذن الله تلك الصور والمواقف المتناقضة، نعم إننا لن نجد شخصًا يعتقد عقيدة السلف في التوحيد ومحاربة البدع ثم هو في نفس الوقت يخالف سلوكهم باقترافه أنواعًا من الظلم والأخلاق المبتذلة والحقد والشحناء واتباع الهوى.
ومما يؤيد أهمية الجانب الأخلاقي في منهج السلف أن العلماء الجهابذة الذين ألفوا في العقيدة ضمنوا كتبهم كثيرًا من الجوانب السلوكية والأخلاقية، ومن ذلك مثلاً ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية: "ثم هم ـ أي: أهل السنة ـ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة"، حتى قال رحمه الله: "ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا)) وشبك بين أصابعه، وقوله : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر))، ويأمرون بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمُر القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قوله : ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))، ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ويأمرون ببر الوالدين وصلة الأرحام وحسن الجوار والإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفاسفها".
فانظر ـ رحمك الله ـ كيف كان السّلف يفهمون الشمول في الدين والمعتقد، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني المتوفى سنة 449هـ في كتابه عقيدة السلف وأصحاب الحديث، قال رحمه الله واصفًا أهل السنة والجماعة: "ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي في الخيرات، واتقاء شر عاقبة الطمع، ويتواصون بالحق والصبر" انتهى كلامه رحمه الله. فأين الذين يدعون إلى منهج السلف عن هذا السلوك وهذه الأخلاق؟!
أيها الأحبة في الله، إن الأمة الإسلامية بالإضافة إلى ما تعيشه من تخبط عقدي وتأخر دنيوي فإنها تعيش أزمة كبرى في الجانب الخلقي، ومصيبةً عظمى في الجانب السلوكي.
معاشر المسلمين، إن للأخلاق مكانة كبيرة في ديننا الإسلامي، والقرآن الكريم لم يثن على خير الرسل محمد  بأكثر من أن قال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، والنبي  يلخص رسالته فلا يزيد أن يقول: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، ولا يعني هذا أن الرسول  بعث للناس من أجل تحسين أخلاقهم فقط، إنما كان أصل دعوة النبي للتوحيد وحتى يعبد الله وحده لا شريك له، ولكن النبي  أراد التنبيه على أن من أعظم مهمات الرسل توجيه الناس إلى الأخلاق الحسنة والسلوك القويم، ولذا فقد قال  مرغبًا أمته في الأخلاق الفاضلة: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن))، وقال : ((البر حسن الخلق)). ولا عجب ـ أيها الإخوة ـ إن رأينا عالمًا مثل ابن القيم رحمه الله يقول: "الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين".
أيها الإخوة، إن الدين لا يقف عند حد الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها فقط، لكنه أرسى قواعدها وحدد معالمها وضبط مقاييسها، فكل خلق حسن إنما جاء به الإسلام، وكل خلق سيئ فقد نهى عنه الإسلام، وإنّ فهم هذا الأمر كفيل لكل مسلم بأن يستزيد من فقه الكتاب والسنة، وأن يتأمل في النصوص الشرعية، وفي نفس الوقت لا بد له أن يعلو بإيمانه ويسمو مفتخرًا بانتسابه إلى هذا الدين، فلا يبحث عن الأخلاق عند أقوام وصفهم الله بأنهم أضل من الأنعام.
إننا نعلم أن بعض الكفار قد يتصف ببعض الصفات الحسنة التي يرجو ثوابها في الدنيا، وهي لا تنفعه في الآخرة؛ لأنه لم يؤمن بالله حق الإيمان، والله يقول في حق هؤلاء: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23]، ولكن هذا لا يسوّغ لمسلم بين يديه وحي من السماء فيتركه باحثًا عن الهدى في غيره.
وإن الناظر إلى شخصية الرسول  ليرى عجبًا، وعلى تلك الأخلاق الفاضلة تربَّى الصحابة على يديه ، فأنتج للأمة جيلاً لن يتكرر، فجيل الصحابة بحق أسطورة يعجز المرء عن وصفها.
أيها الإخوة المسلمون، يخطئ كثير من المسلمين في مفهوم الأخلاق الإسلامية، فيظنون الخلق محصورًا في الابتسامة ولو كانت صفراء، وفي الكلمة الطيبة فقط ولو كانت مداهنة ونفاقًا، وهذا كله لا يصلح تفسيرًا للأخلاق، إنما الأخلاق هي بمفهومها الشامل كل ما جاء به الإسلام من تنظيم علاقة الإنسان بغيره، وهذا لن تجده إلا في الإسلام. وإن عدم الفهم الصحيح للأخلاق وحصرها في بعض الجوانب أورث شعورًا عند بعض المسلمين بأن الكفار أو الغرب خاصة لديهم أخلاق أفضل مما عند المسلمين، وهذا أمر لا يجوز اعتقاده؛ لأن مما ينقض الأخلاق من أصولها تلك الحياة الغربية التي تقوم على العبودية المنحطة وإن سموها حرية، لأنهم يعبدون المال ويعبدون النساء والشهوة الجنسية، فهم يعيشون إباحية متناهية لا يضبطها نظام ولا يردعها قانون.
إننا لن نقبل على قيمنا الإسلامية ولن نعرف كيف نستقي منهج حياتنا كاملاً إلا إذا نظرنا إلى القرآن الذي بين يدينا وسنة نبينا محمد  نظرة الذي بلغ به العطش مبلغه، فهو يروي عطشه من ماء بارد زلال لا يرضى عنه بديلاً، ومن ثم فسيدرك كل مسلم أنه كان في غفلة عن وحي ربه، وإن كنت ـ أخي المسلم ـ ممن فاتك شيء من هذه الفرص فاستدرك اليوم ما فاتك، وإنما الأعمال بالخواتيم.
بارك الله لي ولكم في القرآن...

 


الخطبة الثانية
أما بعد: أيها المسلمون، إن الحديث عن الأخلاق لأمر سهل، لكنّ الأمر ليس مجرد كلام، وإنه لا يعرف أن أحدًا وصف بحسن الأخلاق لأنه يعرف الأخلاق، إذًا ـ أيها الإخوة ـ نقف مع الخطوة الأولى من العلاج وهي أن نشعر جميعًا بلا استثناء أننا بحاجة إلى أن نتربى على أخلاق الإسلام، ومن ثم نأتي البيوت من أبوابها، فنفتش عن أخلاق النبي  خلقًا خلقًا، ومن بعده سلفنا الصالح، فنأخذ مما أخذوا، ونسير كما ساروا، ولقد كان من دعائه  : ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت)).
أيها الأخ المسلم، حاسب نفسك قليلاً، واسألها: أي رصيد تملك من أخلاق أهل الإسلام؟ واعرض نفسك على ما سأذكره لك من أخلاق عملية أوصى بها أحد أسلافنا الصالحين، فقد قال يحيى بن معاذ رحمه الله ذاكرًا ما يجب أن يكون عليه المؤمن من خلق، فقال رحمه الله: "أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الخير، قليل الفساد، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، كثير البر، للرحم وصولاً، وقورًا شكورًا، كثير الرضا عن الله إذا ضيق عليه الرزق، حليمًا رفيقًا بإخوانه، عفيفًا شفوقًا، لا لعانًا ولا سبابًا ولا عيابًا ولا مغتابًا ولا نمامًا، ولا عجولاً ولا حسودًا ولا حقودًا ولا متكبرًا ولا معجبًا، ولا راغبًا في الدنيا ولا طويل الأمل، ولا كثير النوم والغفلة، ولا مرائيًا ولا منافقًا ولا بخيلاً، هشاشًا بشاشًا، يحب في الله ويبغض في الله، ويرضى في الله ويغضب لله، زاده تقواه، وهمته عقباه، وجليسه ذاكره، وحبيبه مولاه، وسعيه لآخراه". فاعلم ذلك يا أخي، وفتش نفسك قبل موتك، وابك عليها إن وجدت فيها أخلاق المنافقين.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت...
 

إقرأ أيضا

منهج أهل السنة في الخلق .

منهج أهل السنة في الخلق .

1- أزمة المسلمين اليوم أزمة أخلاق. 2- من منهج السلف الصالح الاهتمام بجانب الأخلاق. 3- مكانة الأخلاق الفاضلة في الإسلام. 4- أخطاء في مفهوم الأخلاق. 5- سبل وطرق لرفع مستوى أخلاقنا. 6- من أخلاق المؤمنين.

تابع القراءة
أحداث مكة وموقف الشيعة من أهل السنة

أحداث مكة وموقف الشيعة من أهل السنة

1 – ديمومة الصراع بين الحق والباطل 2 – وصية رسول الله بالتمسك بالسنة ومخالفة الرافضة لها 3 – نظرة الشيعة إلى أهل السنة وتاريخهم الأسود 4 – فارسية مذهب الشيعة وشعوبيته 5 – الفتنة التي أراد الشيعة إشعالها بمكة

تابع القراءة
الصحابة بين أهل السنة والرافضة

الصحابة بين أهل السنة والرافضة

1- فضل الصحابة رضي الله عنهم. 2- وجوب محبة الصحابة. 3- حقوق الصحابة علينا. 4- عقيدة الروافض في الصحابة. 5- فضل أبي بكر وعمر وعائشة. 6- موقف الرافضة من أبي بكر وعمر وعائشة.

تابع القراءة
منزلة آل البيت عند أهل السنة والجماعة

منزلة آل البيت عند أهل السنة والجماعة

1- فضل شرف المعدن. 2- معرفة الأمة قدرَ آل البيت وشرفَهم. 3- التعريف بآل البيت وبيان فضلهم وحقهم. 4- رعاية الصحابة رضي الله عنهم لحقوق آل البيت. 5- تقرير علماء السنة لعقيدتهم في آل البيت. 6- تعظيم بلاد الحرمين لآل البيت. 7- الاستغلال السيئ لهذا الأصل العظيم. 8- ضرورة مبادرة العلماء وطلبة العلم إلى بيان هذا الأصل وتوضيحه.

تابع القراءة